أخر المستجدات
الرئيسية » أدب الكتاب » حديث الجمعة.. بقلم الكاتب على الشافعي
حديث الجمعة.. بقلم الكاتب  على الشافعي

حديث الجمعة.. بقلم الكاتب على الشافعي

حديث الجمعة بقلم على الشافعيFB_IMG_1579217998452
كتاب كَلِيلَة ودِمْنَة
كما وعدتكم ــ ايها الافاضل ــ في الاسبوع الماضي ان اتناول احد اهم اعمال عبد الله بن المقفع ( كَلِيلَة ودِمْنَة ) , وهو كتاب يتضمّن مجموعة من القصص على السنة الحيوان والطير ، ترجمَهُ ابن المقفع إلى اللغة العربية في العصر العباسي وتحديدًا في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) , وصاغه بأسلوبه الأدبي مُتصرفًا به عن الكتاب الأصلي .
أجمع العديد من الباحثين على أن الكتاب يعود لأصول هندية ، وتذكر مقدمة الكتاب أن الحكيم الهندي «بيدبا» قد ألّفه لملك الهند «دبشليم» في القرن الرابع الميلادي ، وقد استخدم المؤلف الحيوانات والطيور كشخصيات رئيسية فيه ، و ترمز إلى شخصيات بشرية تجسد العلاقة بين الحاكم والمحكوم , والدسائس والمؤامرات التي تحاك لإبعاد المقربين من الحاكم .
كان ملك الهند حريصا الا يخرج الكتاب من خزائنه فأوكل به خازنا , وحينما علم كسرى فارس «أنوشيروان» بأمر الكتاب وما يحتويه من المواعظ والحكم ، أمر طبيبه «برزويه» بالسفر إلى بلاد الهند , ونسخ ما جاء في ذلك الكتاب ونقله إلى (الفهلوية) الفارسية باي ثمن وقد كان , ثم ان المسلمين ورثو عرش الإمبراطورية الفارسية , ومن بينها تراثهم الثقافي , وعلى راس ذلك كتاب كليلة ودمنة , حيث قام ابن المقفع بترجمته الى العربية ضمن مجموعة كبيرة من تراث فارس الثقافي .
يتألف الكتاب من خمسة عشر باباً رئيسياً تضم العديد من القصص التي أبطالها من الحيوانات ، ومن أبرز شخصيات الحيوانات التي يتضمّنها الكتاب، الأسد الذي يلعب دور الملك، وخادمه ومستشاره الثور الذي يُدعى «شتربه»، بالإضافة إلى اثنتين من بنات آوى «كليلة» و«دمنة» صاحبتي الدسائس والمكائد . وقد لعبت النسخة العربية من الكتاب دوراً رئيسياً مهماً في انتشاره ونقله إلى لغات العالم , إما عن طريق النص العربي مباشرة أو عن طريق لغات وسيطة أُخِذت عن النص العربي . ويصنف النقاد العرب القدامى كتاب كليلة ودمنة في الطبقة الأولى من کتب العرب ويجعلونه أحد الكتب الأربعة الممتازة إلى جانب الكامل للمُبَرّد والبيان والتبيين للجاحظ والعمدة لابن رشيق حيث سنعرض لها ان كان في العمر بقية .
بدا ابن المقفع الكتاب بتقدمة في غاية الجمال يقول : «وأما الكتاب فجمع حكمة ولهواً , فاختاره الحكماء لحكمته والسفهاء للهوه , ومن قرأ هذا الكتاب ولم يفهم ما فيه ولم يعلم غرضه ظاهراً أو باطناً لم ينتفع بما بدا له من خطه ونقشه» . وكان للكتاب أثر بالغ في نفسه ، فأن الحياة السياسية والاجتماعية للحكيم الهندي بيدبا مع الملك دبشليم مشابهة لما كان هو عليه مع الخليفة المنصور ، الذي كان يُعرف بقوة بأسه وشدته على من يخالفه . فكان بحاجة إلى النصح بشكل غير مباشر ، لذا تميزت ترجمته بخصوصية الظرف الزماني والمكاني ، حيث أضاف الى الكتاب بعض القصص من تأليفه , وعدّل في أخرى, كما قام باستحداث باب وأسماه «الفحص عن أمر دمنة».
اعتُبِر عمل ابن المقفع من أفضل أعمال النثر في الأدب العربي , وبحسب البعض فإنه يعتبر أول تحفة أدبية عربية نثرية ، وقد تميّزت النسخة العربية بأهمية كبيرة كونها الوحيدة التي بقيت محفوظة بخلاف النسختين الهندية والفارسية اللتين فقدتا ،حيث اعتمدت جميع اللغات بعد ذلك عليها ، حيث تُرجم الكتاب إلى السريانية في القرن الحادي عشر الميلادي ، وإلى اليونانية سنة 1080م، فالإسبانية سنة 1252م . كما تُرجم من العربية إلى العبرية في القرن الثاني عشر الميلادي، ومن ثمّ إلى اللاتينية تحت عنوان دليل الحياة البشرية سنة1480م ، والتي أصحبت مصدراً لمعظم الإصدارات الأوروبية . ثم الى الألمانية سنة 1483م ، وهو ما جعل الكتاب واحداً من أوائل الكتب التي تمت طباعتها بواسطة مطبعة غوتنبرغ بعد الكتاب المقدس. كما تُرجمت النسخة اللاتينية إلى الإيطالية , وأصبحت الأساس لأول ترجمة إنجليزية سنة 1570م تحت عنوان خرافات بيدبا , وهناك ترجمة فرنسية نشرت سنة 1709م، عن الإنجليزية بعنوان «قصص حيوانية مثقفة مسلية منقولة عن بيلياي من قدماء فلاسفة الهند .
اما اسلوب ابن المقفع في الكتاب فيعتمد السرد , تأتي الحكايات ضمن قصص أخرى تعرف بالقصة الإطارية . ويتميز الكتاب أيضاً في كون أبوابه منتظمة، حيث يبدأ الملك دبشليم بقوله للحكيم بيدبا: «عرفت مثلاً فأضرب لي مثلاً عليه »، فيعرض بيدبا ما يشبه العنوان المشروح لمعرفة المضمون ثم يسكت ، فيقوم دبشليم بسؤاله: «وكيف كان ذلك؟» ، عندها يبدأ الفيلسوف مستهلاً بقوله: «زعموا …» ثم يبدأ بالسرد.
يحتوي الكتاب خمسة عشر باباً رئيساً ، ومن أبرزها ما يتعلق بالوشاية التي تعمل على إفساد الصداقة في «حكاية الأسد والثور»، والمصير السيء للواشي في «حكاية الفحص عن أمر دمنة». كما تتضمن بداية تواصل إخوان الصفا واستمرار المودة بينهم في «حكاية الحمامة المطوّقة»، وعدم الاغترار بالعدو مهما أبداه من نوايا وإن كان ظاهرها جميلاً في «حكاية البوم والغربان»، وإضاعة سعي الشخص بعد بذل مجهود فيه وذلك في «حكاية القرد والغيلم»، وما تؤدي إليه العجلة في الأمور والذي حصل في «حكاية الناسك وابن عرس»، وموالاة الأعداء عند كثرتهم حول الشخص في «حكاية الجرذ والسنور»، وضرورة اتقاء أصحاب الثأر بعضهم لبعض في «حكاية ابن الملك والطائر فنزة»، ومراجعة الملك لمن أخطأ بحقهم أو عاقبهم بدون ذنب في «حكاية الأسد والشغبر الناسك»، والأمور التي يثبت بها المُلك من خصال في «حكاية إيلاذ وبلاذ وايراخت»، والعفو عند المقدرة وكذلك الاعتبار بما يحصل للشخص من مصائب في «حكاية اللبؤة والإسوار والشغبر»، وترك الشخص ما يجيده إلى غيره في «حكاية الناسك والضيف»، وعمل المعروف في غير موضعه مع ابتغاء الشكر عليه في «حكاية السائح والصائغ»، ورفعة مكانة الجاهل في الدنيا وابتلاء الحكيم في «حكاية ابن الملك وأصحابه»، وعاقبة تقديم المشورة للغير مع عدم تطبيقها لذات الشخص في حكاية «الحمامة والثعلب ومالك الحزين».
اما تأثير الكتاب في الثقافة العالمية فقد ظهر العديد من الكُتّاب والمؤلفين الذين استوحوا أو اعتمدوا على كتاب كليلة ودمنة في أعمالهم قديماً وحديثاً، ومنهم ابن الهبارية الذي نظم حكايات «كليلة ودمنة» شعراً في كتاب أسماه «نتائج الفطنة في كليلة ودمنة» ، و الكاتب الأردني «جمال نواصرة» الذي قام بتأليف كتاب يحتوي على نصوص مسرحية تعتمد على حكايات الكتاب يحمل نفس الاسم. بالإضافة إلى قيام الشاعر الفلسطيني «محمد شريم» بنظمه في كتاب يحمل عنوان «جواهر الحكمة في نظم كليلة ودمنة» . وقد وجد الباحثون ايضا تشابهاً قوياً بين بعض حكايات كليلة ودمنة وخرافات إيسوب ، وكذلك بينها وبين خرافات ماري الفرنسية. كما أقرّ كاتب القصص الخرافية الفرنسي جان دو لافونتين بأن أعماله مستوحاة من هذا الكتاب .
وبعد ــ ايها الافاضل ــ فالكتاب مطبوع ومتوفر في المكتبات ودور النشر طباعة فاخرة ومصورة , انصح ابناءنا خاصة الاطلاع علية وقراءته بتمعن , فكل سطر فيه لا يخلو من حكمة او موعظة او مثل , وكل قصة خلفها عبرة , وما اشبه اليوم بالبارحة . طاب يومكم .

عن SAAMEA TRABISHI

إلى الأعلى