أخر المستجدات
الرئيسية » أدب الكتاب » لماذا أنا؟”… بقلم الكاتبة منال خالد السعيد
لماذا أنا؟”… بقلم الكاتبة منال خالد السعيد

لماذا أنا؟”… بقلم الكاتبة منال خالد السعيد

” لماذا أنا؟”… بقلم الكاتبة منال خالد السعيدFB_IMG_1574547274648

لماذا أنا؟

لَطالمَا كنتُ أنتظرُ صُدفةً جَميلةً تَجمعُني بِقَدَري؛ ذلكَ القَدَرُ الجَميلُ الذي نَبَتَ في قَلبِي وسَقيتُهُ بِأفكارِي. لَطالمَا آمنتُ أَنَّ الطَّيِّبينَ للطَّيبَاتِ، وأَنَّ العِفَّةَ والحَياءَ أجملُ بكثيرٍ مِنَ الكَلماتِ المَعسولةِ و اللقاءاتِ الخَفيّةِ. ما كانَ في حُسبانِي أَنَّ هُناكَ وُحوشًا بشريّةً حتّى وإِنْ دَخَلتْ مِنَ البابِ وحسبَ الأصولِ وكَما جَرتْ العاداتُ والتَّقاليدُ، إلّا أنَّها تبقَى على ما شَبَّتْ عَليهِ مِنْ خُبْثٍ، لا تعرِفُ الحُبَّ ولا الصِّدْقَ، شَرْعُها الخِيانةُ وشَريعتُها الكَذِبُ، وجوهٌ لا تَستحِي مِنَ اللهِ ولا مِنْ عِبادِه.

وفي طَريقِي إلى الحياةِ أَتَتْ صُدفَتِي المُنتَظرةُ على عكسِ تَوقُّعاتي … لِماذا أنا؟ أسألُ بِغَصّةِ طفلٍ يَرى جميعَ أقرانهِ بِثيابِهم البَهيَّةِ يلعبونَ ويمرحونَ بقدومِ العيدِ، وهُوَ الذي ارتدَى فَقْرَهُ و حَمَلَ عُلبَةَ العِلكَةِ وفي بالهِ يُردِّدُ: لِماذا أنا؟

كَعجوزٍ سَبعينيّةٍ تَغصَّنَتْ عُروقُ يدِها، وعَلا التَّعَبُ وجنتَيها تَروي بُطولاتِها في تربيةِ أولادِها الذينَ رمُوها بلا رحمةٍ في دارِ العَجَزةِ وفي نهايةِ كُلِّ حديثٍ تغررُ دمعتَها السَّائلةَ “لماذا أنا؟”

كَلهفةِ طَبيبةِ أطفالٍ شَارفتْ على الخمسينَ من العُمْرِ، دعوتُها في كُلِّ تَهجُّدٍ طِفْلٌ صَغيرٌ يَروي عَطَشَ الأُمومَةِ، ورغمَ يقينِها باللهِ و رِضاهَا بِالقَدرِ تَسيلُ الدَّمعةُ مُعلِنةً الشَّوقَ “لماذا أنا؟”

كَيتيمةٍ تَحلمُ بحنانِ الأُمِّ وسَنَدِ الأبِ في كُلِّ مَرَّةٍ تَصفعُها المُربِّيةُ في دارِ الأيتامِ لأنَّها وَسَّختْ ثِيابَها وهِيَ تلعبُ، وبِحُرقةٍ تنظرُ في عَينَيها مُعلِنةً التَّمردَ “لماذا أنا؟”

إنَّها الأقدارُ يا بُنَيَّتِي، تَأتي عَلى غيرِ ما نُريد، تَنتَقي الأجملَ مِنّا صَاحِبَ القلبِ الأكبرِ، شديدَ الصَّبرِ، نَافِذَ الحَظِّ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ تَشتدُّ قسوتُها تُلَوِّحُ مِنْ بَعيدٍ بأنَّ الفَرَجَ قَريبٌ تَفصِلُهُ بِضعُ جُرعاتٍ منَ الصَّبرِ، والكَثيرُ مِنَ الأملِ، والكَثيرُ الأكثرُ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ باللهِ، وفي كُلَّ مَرَّةٍ تُردِّدُ في نفسكَ ذاكَ السّؤالَ الحَائِرَ “لماذا أنا؟” تَذكَّرْ أنَّك سَتُمنَحُ هَديَّةَ تَحَمُّلِكَ الألمَ ذاتَ يَوم!

بقلم : منال خالد السعيد.

عن SAAMEA TRABISHI

إلى الأعلى