أخر المستجدات
استحقاق

استحقاق

– بقلم – القاص:خليل حسين اطرير

….. عبد الحميد وعامر ، فصلا شراكتهما بهدوء ، وحامت حولهما الشكوك والأقاويل، وشاد المحيطون والشامتون قصورا من التكهّنات الجوفاء، وبنوا روايات انفصال تزيد على ألف رواية ورواية* لكنّ أسباب انفصال الشراكة لا زالت مدفونة في رمس السريّة والكتمان *وسبب خسارة عامر بعد الانفصال لا زال غامضا
…..تجارة الحبوب في قريتهما رائجة ، كون سهول القرية معتادة منذ عمق التاريخ على احتضان القمح والعدس والذرة والشعير ، وبعد حرثها ومرور غيمات الغيث تشدها نحو السماء أعوادا تحمل سنابل الخير والعطاء * والحاجة للحبوب متشعبة الأذرع: للطحن تهيئة لخبز التنور الشهي ، أو لسداد مقايضة مع الجار أو الريب ، أو لبذار لموسم الحول المأمول *
….. منذ نعومة أظفارهما وشراكتهما لم يغبر عليها شك أو أتهام أو ظن ، وحسن الإدارة أنماها، وانبساط التعامل راجها ، فكانا محط احترام الكبير والصغير ، وكان متجرهما يتسع آلاف أكياس الحبوب وآلاف الوالجين تحوطهم بسمة استقبال وترحيب، وتلاحقهم عبارات المودة والتوديع * والدواة والقرطاس فيصل حساباتهما ، ضابطهما الأمانة والثقة المتبادلتين ، ومعاملتما لأهل القرية كأسنان المشط جعل منهما وحدة لا تتجزأ *
…… كبرا، تزوجا ، أنجبا ، فقرر عامر أن يزوج ابنه سعيدا، فرحة غمرت عبد الحميد وأهله ، فابن عامر كابنه تماما ، ونشطت الأسرتان تعدان بيتا كامل المحتوى لعروسين شابين ، لكنّ إيراد السنة لم ولن يساعد على إتمام الزواج كما خطط له ، فالموسم الزراعي ضعيف كونه معتمدا على زراعة بعلية ، والديم بخلت على القرية خلال مرورها هذا الشتاء المضمحل *
….. بدأت أم سعيد تتذمر من قلة الدراهم وكثرة متطلبات العرس ، فازداد إلحاحها ، وتكررت نداءاتها ، واشتدت وخزاتها ، ونقرت أسئلتها دماغ أبي سعيد ، الذي وجه تفكيره صوب مسألة واحدة : كيف يدبر أموالا لإتمام العرس؟*فإيراده من المتجر قد نفق ، وإيراد شريكه تلاشى بين رسوم ومصاريف ابنه حسام في الجامعة *
….. لكن الأفكار الشيطانية لا تتجلى إلا في الملمات الحالكة*
….. قالت أم سعيد: خذ من مبيعات المتجر ولا تخبر أبا حسام ، وبعد إتمام الزواج ، تعيد المبلغ للمتجر من إيرادك على مراحل ،
…..قال لها أبو سعيد : هذا عيب وحرام ، والوسم التجاري سيىء هذا العام ، ولم يكن هذا طبعا عندي ولا عنده* هذا مستحيل *
…… بدأت المشاحنات ، وتوتر وضع الأسرة ، ودبت الخلافات فيها، وانقسمت بين واقف مع الأب لتأجيل موعد الزفاف ، وبين مؤيد لإلحاح الأم بتسريع موعد الزواج* فوقع الرجل في حيرة وتخبط ، لكنه رضخ في النهاية لاقتراح الزوجة ، فكان يغلق المتجر مساء وفي جيبه مبلغ من المال من مبيعات المحل ، خارج قيود البيع *
….. لم يتمكن أبو سعيد من رد جزء ولو يسير من الأموال التي أخذها من المتجر دون قيود على الدفتر ، وخشي فضح أمره ، فاقترح على شريكه أبي حسام فض الشركة ، ليفسح المجال لابنه بالعمل معه، فأثنى فورا على اقتراحه،لأنه كان متأكدا من تلاعب شريكه في المبيعات بسبب ظروفه الصعبة ، وفي اليوم التالي بني حائط قسم المتجر، فأصبح متجرين متجاورين، وأدار كل منهما متجره، ولم يفقد أخوته للآخر *
…..هلّ الشتاء ، اسقبله الفلاحون بالدعاء ، التاجران بالأمل والرجاء ، ولكل لبانته ، وجاد الغيم بالهطل والنعمة المباركة ، فدبت حركة الفلاحين وازداد ترددهم على المتجرين ، فاستبشرأبو سعيد خيرا بالموسم ، لكنه نسي أو تناسى ما أخذه من مال فيه شبهة من قبل* …..لاحظ أبو حسام أنه عندما يفتح متجره يجد كمية كبيرة من القمح الرطب مفروشة على أرضية المتجر ، مع العلم أنه لم يترك حبة واحدة ملقاة عند إغلاقه ، فيجمعها وينشرها تحت أشعة الشمس لتجف ثم يضعها في أكياس ويضمها لأكياس القمح المرتبة فوق بعضها، وفي اليوم التالي يجد بساطا من الذرة ، ثم من العدس ، ثم من ال****** ولكنه لم يلاحظ ذلك في متجر صديقه ، فاستغرب وجالت الظنون به ولم يصل لحقيقة تريح دوامة أفكاره المشتتة *
….. خفت حركة البيع بعد موسم الحرث ، فجاء أبو سعيد يحمل دفتر القيود اليومية ، وجلس يحاور جاره أبا حسام*
…..قال أبو سعيد : لقد نفذ كل ما عندي من حبوب ، بعت كل ما في المتجر تقريبا ، وكل حبة خرجت من متجري قيدت في هذا الدفتر ، وبالمقارنة أجد أن المباع أقل بقناطير من الكمية التي دخلت متجري نتيجة فصل الشراكة ، وهذا يعني أن خسارتي في هذا الموسم محتومة وفادحة *
…… قال أبو حسام : كيف هذا ؟ هل ما تقول هو الحقيقة ؟ إذا كنت بحاجة لكمية من الحبوب ، فخذ ما تشاء ، وأعدها نهاية موسم الحصاد*
…… قال أبو سعيد : لا من أجل هذا أناقشك ، بل أسأل : أين ذهب الفارق ؟
……سأل أبو حسام : هل تشك فيّ يا أبا سعيد؟
…..رد أبو سعيد : معاذ الله ، بل أستغرب *.
…..قال أبو حسام :راجع نفسك ! وتذكر ! ربما بعت ولم تقبض الثمن ولم تدون مبيعاتك *
….. قال أبو سعيد : أمر يضع العقل في الكف * سأراجع حسلباتي الليلة *
…..عاد أبو سعيد لمتجره بعد التسليم على زبون يكثر التردد على متجر أبي حسان* وما إن غادر البون المتجر حتى تناول أبو حسام دفير المحاسبة على عجل ، وأخذ يستعرض بقلمه مبيعاته ، فتفاجأ أن المبيعات تقارب الكمية التي حصل عليها عندما تقاسم محتويات المتجر مع شريكة، وأن ما تبقى من حبوب ما زالت كبيرة ، فانتفض ، ووقف ، ونظر لأرضية المتجر ، قال: أمسكت رأس الخيط *
…..عاد للمتجر مساء ، قرر أن ينام ليلته فيه ، استيقظ بعد الهزيع الثاني لقيام الليل ، على أصوات مبهمة خفيفة في المتجر ، فأسرع يشعل الفانوس ، فهاله المنظر الغريب : آلاف النملات تدخل في ثقوب أسفل الجدار الفاصل بين المتجرين خالية الوفاض وتعود محملة بالحبوب ، تلقيها ثم تكرر ، تهلل وجهه ،* */انتهت القصة/

عن salma alzwi

إلى الأعلى