أخر المستجدات
الرئيسية » أدب الكتاب » ( أَحْلامٌ عَلى تَلِّ الرّماد ) بقلم : غالية عيسى
( أَحْلامٌ عَلى تَلِّ الرّماد ) بقلم : غالية عيسى

( أَحْلامٌ عَلى تَلِّ الرّماد ) بقلم : غالية عيسى

النص المسرحي الشعري
( أَحْلامٌ عَلى تَلِّ الرّماد )
بقلم : غالية عيسى
======================
أَحْلامُ و َمُهاجِرُ يَلْتَقِيانِ عَلَى تَلِّ الرَّماد :
ذَاتَ لَيْلٍ نَفَخَتْ أَحْلامُ زَفْرَتَها فِي وَجْهِ الرِّيح،
هَمَسَتْ تَشْكو لِعَيْنَيْ مُهاجِر :
فِي وَطَنِي:
هذا اللَّيلُ كَسَفينةٍ غَرْقى تُلَوِّحُ لِلنُّجوم
لَا الرّيحُ أَنْقَذَتْها
وَلا يُضيءُ عَلى أَلْواحِها الْقَمَر
فِي وَطَني :
لِمَ اللّيلُ عاقِدٌ الحْاجِبَيْن
والنُّجومُ صامِتةُ اللَّهَب
والقَمَرُ ما بِهِ يَئِنُّ اﻵنَ ؟
فِي وطني :
لِماذَا يُنْثُرُ الرَّمادُ
على أوْراقِ الرّبيعِ وَ يَحْتَضِرُ الحُلْم
وَاللّيْلُ مُثْقَلٌ بِالعَبَرات
تبْحَثُ الغَيْماتُ عنْ سببٍ لِلْبُكاء
تَسْأَلُ الرِّيح :
أيْن الدَّبُّوسُ الّذي سَيَثْقُبُ جِلْدَ الْغَيْمَة
لِتَسْكُبَ الْمَطَرَ الجاثِمَ في دَمِها
وتَكْتُبَ على زُجاجِ الرّيح :
رَحَلَ الْيَمَن
فِي وَطَني يَبْتَسِم الماءُ وتَثْمَلُ الْوَرْدة
حِينَ تَنْشُدُ إلى النّجومِ الرّجاء :
تَرفَّقي بِالرَّمْلِ أَيّتُها النُّجوم
أَمِيطي لِثامَ الفَجرِ بِشُعاعٍ صغِير
اُرقُصِي على حافَّة البَرْق
تَمدَّدي على جِذْعِ نخْلَةِ المَخاضِ
“كَمَرْيَم “
لِدِي لَنا خَيْطَ فَرَحٍ
يُضيءُ هذا الظَّلامَ الْكَبِير
فَمَازَالَ في السَّماءِ جَنَاحٌ
لَمْ تَقْبَلْهُ النُّجوم
ولم يَكْسِرْهُ الرَّعْد
مازال المَطَرُ حَبِيسَ غَيْماتِه
فَهَلْ مِنْ بَعْثٍ جَدِيد
يُحْيِي الحياةَ مَرَّتَيْن ؟
مُهاجِر :
إِيهِ يَا أَحْلامُ ؛
اليَمَنُ وَطَنٌ لَا يَنام
لَيْسَ بِسَبَبِ الصّواريخِ والدّبّابَاتِ فَحَسْبُ
وَإِنّما لِأَنَّ “الفردوسَ” تُمْسِي تُدَغْدِغُه
و لَا تَكُفُّ عَنْ تَقْبيلِه أبدًا
واللّيلُ
الليلُ يأتي بِأَدْخِنَةٍ
وَأنا ذوُ الرِّئَتَيْنِ المُنْتَفِخَتَيْنِ بِالْبُنِّ واللُّبان
سَرطانُ الأَجِنّةِ لا يَغْمُرُ في عُلْبَةِ التَّبْغِ وَحْدَه
سَرَطانُنا فِي أَوْطانِنا
مُنْذُ أَنْ كُنّا نحن والجهْلَ الأَجِنّة !
أحلام :
ولكنّني يا مهاجر؛
أُريدُ وَرْدًا كثيرًا
أريد بنفْسجًا
ووجْهَ قمرٍ وألوانا
ونايًا
أريد بحرًا وفيْروزًا
ورَمْلًا
صحراءَ خضراءَ وحلمًا وحمامة
أريد سحابةً بجناحيْن
وسلامَ فراشةٍ بَيْضاءَ
أريد شمسًا لا تنام
إلّا بعْد أنْ يُعانِقَني القَمَر
أريد ضَوْءًا وسماءً وأجنحةً وهواءً
أريد ماءً وأملًا
أريد ريشةَ رسّامٍ وقلمًا !
مُهاجر:
لكنَّ البِئْرَ
البئْرُ أضْيَقُ مِنْ أَنْ يَحْتَضِنَ صرْخَةَ “يوسف”
أَيْدي إِخْوَتِه مَغْلُولَةٌ إلى عُنُقِه
كانَ يَبْسُطُ يَدَيْهِ لِمُنْقِذٍ يَبيعُهُ في سوقِ العبِيد
كان يَحْلُمُ حِينَها فَقَطُّ بِالحياة !
أَحْلام :
أُرِيد سلامًا يا مهاجرُ فأنا
أَنا مُنْذُ طُفولَتي وأنا أشْرَبُ حربًا
حتّى كَبُرْت
ونَمَتْ في بطنيَ اﻷجِنَّة
فَشَرِبَتِ الحرْبَ من جسدي
لذلك فقد أنْجَبْتُهُم لِلْأَرضِ أبْطالًا
ولَكَمْ تُمَزِّقُني تلك الجِنِّيّةُ المُتَمرِّدَةُ التي تسكُنُني
كُلَّما قرأْتُ علَيْها تعويذةَ الصَّبرِ
بَخَّرَتْني باللُّبان
ونفخَتْ في روحي جمرَ الحَنِين !
أَتَلَصّصُ عُمُر النُّجوم
أَحْفِرُ في صوْت الْقَمَر
أَتَوَارَى خَلْف أَشْجارِ الْحَنِين
أَسْمَع وَشْوَشَةَ الْفَراشاتِ لِلطُّيور
أَحْلُم بِغَزْلِ الْحَرِيرِ لِذاكَ الْوَطَن
وَأَنا رِدائِي مُرَقَّعٌ بِأَنِينِ حُزْنِ الْغُيُوم !
مُهاجر :
لَسْتُ إِلَهًا
وَلَكِنّنِي أَسْمَع الماءَ الّذي يَسْبَح فِي الْجِدار
تَسِيل الضَّجّة مِنْ أَصابِعي حِين أَبْكي
وَلَكِنّني لَا أَصِيح
يَجْرَحُني جُمودُ الْجِدار
وأنا الماءُ الّذي يَجْري بِلا نَهْر
هِجْرَةُ الْأرْضِ كَخَلْعِ الْجِلْد المَكْلومِ بِالصّبر
لَا طَبِيبَ يَشْفي المَريضَ بالخَيْبات
وَلَا وَطَنَ بِلَا خِذْلَان
(يَتَقَدَّمُ إِلَيْهِما مُنْتَظِرُ صديقُ مهاجر الّذي كان يَسْتمْع لحَديثِهِما عَلى بُعْد خُطْوات )
ٍ
يَقول :
جَميعُنا أيّها الصِّحابُ مَوْبُوؤُون
جميعُنا أَقْفالٌ عَجَزَ الحُزْنُ عَنْ فَتْحِنا
نَحْنُ أَبْناءُ الصّنَوْبَرِ والْأَشْواك
نحْن جيلُ المَشانِقِ والْخَنادِقِ والصّخور
طعامُنا الحَطب وماؤُنا الْجفاف
قَدْ زَرَعوا الظُّلمَ فِي دَمِنا
وأسرونا إلى الوريد !
وهاهمُ اﻷطفالُ
يطيرون فرحًا ويُكْسَرُ الضّوْءُ
فَمِنْ أيِّ سماءٍ سنلتَقِطُ الضوءَ لهُم
ومِن أيِّ شُرفةٍ سنتَنفّسُ النّصرَ لهُم
اﻷبوابُ مُوصَدةٌ
الحربُ حادّةٌ
واﻷطفالُ يتشبَّثونَ باﻷجنحة
كالخيباتِ تنفُخُهُم الريحُ فيَتَطايَرُون
السماءُ حمامتُهُم والغُيوم
لا برقَ اليومَ يُنْبِئُ بالوميض
لا صوتَ يُوقظُ الرّعدَ مِنْ غفْوتِه
وحدها النجومُ تتساقطُ
ويذْبُلُ الليلُ
لينامَ القمرُ يتيمًا !
(يُمْسِك يَدَ مهاجر بِألمٍ وَيَرْحلان )
تَصْرُخ أحلامُ باكيَةً :
عُدْ إِلَيَّ يَا مُهاجرُ
إلى أيْنَ تَرْحَل ؟
مهاجرُ بِسُخْرِيَّةٍ تُشْبِهُ البُكاءَ يُعاتِبُ الوطنَ ؛
يَهْمِسُ لِعَيْنَيْ أحلام :
سَأَرْحَلُ يَا أَحْلام
فَفي وطني يَلْفِظُ الرَّمادُ
سَكْرَةَ الحُلْمِ اﻷخيرة :
أيُّها الوطنُ العَزيزُ
حينَ تَدْعونِي إِلى اﻷحلام
خُطَّ لِي أَوَّلًا
بِساطَ رِيح
لا يَسقطُ في مُنْتصَف السَّماء
وَيَنْكَسِر !
رَحَلا وَتَرَكا أحلام
تَسْكُب دَمْعَها عَلى أوْجاعِ تَلِّ الرَّماد !

 

أحلام على تل الرماد
/غالية عيسى

عن ADEL ALKHATEB

إلى الأعلى