أخر المستجدات
الرئيسية » أدب الكتاب » – أوراق بالية ……………………. Ahmed Ail
– أوراق بالية  …………………….  Ahmed Ail

– أوراق بالية ……………………. Ahmed Ail

– أوراق بالية

Ahmed Ail

 

 

هذه مجموعة مما كتبت قديما …ولقد ضاع معظمها … فقد كنت اكتب فى غلاف كتاب …أو مساحة فارغة فى مجلة أو صحيفة ..أو فى أية ورقة تصل اليها يدى …كانت هناك موهبة وقدرة على التأليف والصياغة والتعبير والوصف … ولكن هذه القدرة ضعفت و تلك الموهبة انطفأت…واصطدمت بشدة بواقع الحياة المادى القاسى… كنت اذا بحثت عن هذه الكتابات لا أجدها ولا أعرف ماذا كان مصيرها …وقد أجد جزء من قصة أو بعضا من مقال أو تعليق على كتاب ولا أجد الباقى ..والغريب فى الأمر اننى احاول تذكر الباقى …أو تكميله من جديد فلا استطيع وكأن من كتب شخص اخر غير هذا الشخص …ذلك لأن المشاعر والأحاسيس والهموم تختلف من وقت لا خر ومن مكان لمكان …بل ان الحياة جملة تختلف من حين لاخر ..فما من أحد يقرأ ما اكتب غيرى ….المرة الوحيدة عندما اشتركت فى مسابقة القصة على مستوى مركز أبوتيج وفزت “بطقم كوبيات” …بحثت عن هذه القصة ولكنها ضاعت …كانت عن الثُأر فى الصعيد…وأنا لم أبحث عنها لا لشىء الا من أجل الذكريات …فكل قصة او مقال لها او له ذكريات خاصة …وليس معنى هذا أنها كتابات عظيمة ..او ابداع ليس له مثيل ..فقد تكون غير ذات قيمة …وقد تكون تافهة غاية ما تكون التفاهة …ولكننى كنت استمتع بكتابتها …بالنسبة لى هى مثل اليوميات او المذكرات الشخصية …هل جربت مثلا أن تطالع البوم صورك القديمة أو تستمع الى أغنية فتتذكر ماضيا بعيدا او مكانا مختلفا بمشاعرك وأحاسيسك …كل قصة كتبتها كانت فى زمن غير الزمن ومكان غير المكان …ولكل زمان ومكان اهتمامات وتصورات مختلفة …لكل زمان ومكان تكوين نفسى …واطار فكرى وأناس مختلفون …فمن الناس من رحل عن دنيانا …ومنهم من فرقتنا الحياة وتقلبات الزمن …ومنهم ما زال فى اطار حياتنا ولكن اختلفت العلاقات والتعاملات …منهم من غدر ومنهم من وفى …منهم من خان ومنهم من صان …منهم من تحول …ومن ظل كما هو…. ولكن كل هؤلاء وأولئك لهم مكانا فى الذاكرة …وكل هذا ماثلا فيها وكل هذامجرد ذكريات …ذكريات… ولكن قد نرى أو نسمع شيئا او حتى نشتم رائحة فنتذكر ..
.بل اننى عندما بحثت عن موهبتى ..ان كان لى أصلا موهبة …لم أعثر عليها …وعندما أردت ان اكتب …كما كنت أفعل …عجزت وهناك الكثير والكثير من الأسباب …لم يعد لدى رصيد من كتابة أو تأليف غير تلك الكتابات القديمة …ولكى أكون أمينا مع ذلك الشخص الذى ماتت موهبتة …سأقدمها كما وجدتها ..فقد تجد قصة مبتورة ..أو بدون عنوان …أو جزء من مقال …أو تجد قصة لا تصلح أن تكون قصة….ولك حرية أن تقرأ او تعزف عن القراءة …ولك ان تمدح اوتذم…هذا هو القيس بوك
(1)
المشاعر التى تتأجج فى صدره رهيبة..قلبة المحترق ينبض الاما ويأسا مميتا ..ليته يتوقف الى الأبد …ليت كل المشاعر تختفى حتى لو اختفى هو معها من الحياة… حياة؟..أية حياة هذه …انها أشد ألما وبغضا من سكرات الموت لأن هذه الأخيرة لا تستمر طويلا …أما حياته هذه فهى سكرات موت مستمرة لا تنقطع ولا تتوقف …بالله عليكم كيف التخلص من هذا الشقاء وهذا البلاء ؟…
منذ زمن ليس بالبعيد ..كان انسانا عاديا …مشاعره عادية …حياته مثل كل الناس ..فرح وحزن وألم ..ولكن الألم كان طارئا لا يلبس ان يزول ..كان طبيعيا ..يصدر من مشاكل الحياة اليومية ..النفسية والجسمية منذ زمن ليس بالبعيد كان يمضى فى دروب الحياة عاديا تماما …بعد ان أنهى دراسته الجامعية …تقدم للخدمة العسكرية …أجل تجنيده … سافر الى ليبيا مثلما سافر كثير من أهل قريته …ثم عاد بعد مدة ليخطب بنت خالته الجميلة وهو يحلم بمستقبل سعيد و…
بعد الخطبة بأسبوع شعر بالام فى صدره وأعلى ظهره …لا بد بسبب كثرة نشاطه وجده واجتهاده فى العمل…اختفت الالام فجأة لتعاوده فى الليلة التالية …نصحه المقربون ان يستريح فى البيت وان يريح عقله من كثرة التفكير …ولكن هيهات…ان هذه الالام غريبة لم يتعرض لمثلها من قبل …كما لم يتعرض لها احد من معارفه …اذن لا بد من استشارة الطبيب …طلب منه اجراء فحوص وأشعة … ملامح الطبيب …صوته …حركاته وسكناته لا يمكن أن تمحى من ذاكرته …الطبيب والألم والشقاء شىء واحد … عرف منه أنه مريض بسرطان الرئة…وكان هذا الفيصل بين الحلم والحقيقة …كان فارقا بين عالمين بالنسبة له…
فلتقتلوا كل الأطباء …كل الأطباء والمرضى…اهدموا المستشفيات والصيدليات على من فيها …من يتألم او يتوجع ..ألقوه من قمة جبل عال او الطابق الاخير فى أعلى بناية…اجمعوا كل الكتب والمجلات والاعلانات الطبية واحرقوها …أريدكم ان تدمروا شركات ومصانع الدواء …لا اريد ذكر اى شىء يتعلق بالداء او الدواء …أريد علاج واحد لكل الأدواء …كل من يعانى مرضا او علة لا علاج له الا الموت …نعم الموت …منذ اللحظة التى عرف فيها مرضه …انقلبت حياته جحيما …لعن اليوم الذى ولد فيه ..كره الحياة ألف مرة…عندما يتذكر حياته قبل المرض…لا يستطيع أن يستوعب انه كان انسانا عاديا مثل كل الناس …يروح ويغدو وليس فى نفسه حزن اوألم وليس فى جسمه مرض او علة …والان هو فى كابوس رهيب …كابوس لن ينتهى … ولن يخرج منه الاعندما يسلمه للموت..
رفضت ابنة خالته أن ترتبط بشخص مريض …ميئوس من علاجه …هو نفسه لم يكن ينتظر رفضها …كان أول شىء خطر له بعد أن افاق من صدمته أن ينهى هذه العلاقة …كل هذا هين يسير …وليست هذه المشكلة …المشكلة هى فى انتظار الموت والتخلص من هذه الالام النفسية والجسمية الرهيبة …وان كانت النفسية أشد ألما وأذى …ان غاية أمانيه الان الموت … انه الشىء الأكثر سعادة له الان …ولكن متى تتحقق هذه السعادة انه لا يدرى …لذلك فكر فى شىء لم يخطر بباله يوما ما …فكر فى استعجال تلك السعادة لتتحقق راحته الأبدية من هذا الشقاء والبلاء الذى ألم به …فكر فى الانتحار استغفر الله العظيم…أمعقول هذا؟…بعد كل ما قدم من أعمال صالحة …وبر بالناس وبوالديه …يموت مغضبا لربه؟…انه لم يكن ليتأخر فى دفع حياته ثمنا لارضاء ربه وللجهاد فى سبيله…واليوم يدفعها ثمنا للتخلص من الامه وأحزانه الرهيبة المروعة …ولكن الحياة صارت فى نفسه أشد من عذاب جهنم …هل يمكن أن يصل العذاب الى هذا الحد؟…ان عذاب النفس شديد…عندما يفكر فيما كان يملؤه من طموح وأحلام …ثم ما صار اليه…تشتعل فى قلبه الاف الأفران من النيران …ويتحول صدره الى مخزن من الالام والهموم والشقاء والمشاعر الرهيبة شديدة المرارة…لا بد اذن من الانتحار…ولكن لا…لا …الحمد لله على كل حال …فهذا قدر الله وعلينا أن نستسلم لقضائه …ولكن مجرد التفكير فى المرض والموت شىء بشع بغيض…اه لو يجد حبوبا أو دواء ينتزع منه هذه الأحاسيس والمشاعر المرة الأليمة …انه بين نارين …العيش بالمرض لأيام …او لشهور منتظرا الموت أو الانتحار
وتقدم منه الشيخ “مسعود”وربت على كتفه وقال فى صوت هادىء رزين:”اياك يا ولدى والتفكير فى الانتحار …ان مجرد التفكير فيه دليل على ضعف الايمان…الله ..سبحانه وتعالى أعطاك روحا وجسدا فى هذه الحياة التى تفنى ويفنى معها الجميع …وهو يستردهما متى شاء وكيفما شاء …كل ماتراه حولك زائل …وهناك الحياة الأبدية الخالدة التى فيها السعادة المطلقة والنعيم المقيم …وفيها أيضا الشقاء الأبدى والالام التى لا يمكنك تصورها …صدقنى يا ولدى ..مرضك هذا نعمة لك فالله يحبك وقد ابتلاك ليختبر ايمانك وصبرك…امض يا ولدى فى حياتك ولتتناسى علتك …ولتطلب من الرحمن العفو والمغفرة “…ثم تقدم الشيخ من الفتى وضم رأسه اليه ومرر يده على صدره وهو يغمم ببعض الكلمات لم يتبين الفتى جيدا أهى قران أم دعاء …ولكنه أحس براحة تسرى فى صدره ونفسه …وذات مساء ..أخذ الشاب يسعل فى شدة واشتدت الالام فى صدره وراح فى غيبوبة عميقة …نقلوه الى المستشفى …وخيم الحزن فى كل مكان وملا القلوب وجثم على الصدور وراح أهله وأقاربه يذرفون دموع الحسرة واللوعة على هذا الشاب البائس …والذى كانوا يأملون فيه مستقبل مشرق …زاهر ..اليوم صار كتلة من العظام والجلد والالام …وبدا كل جزء فى جسده يعزف أنشودة الفناء …عيناه الزائغتان …أجفانه المحترقة ..جسده الذى نحل بشكل بشع رهيب …وصوته الذى صار واهنا ضعيفا بعد أن كان يجلجل فى كل مكان …وانتظر الجميع خروج الطبيب…واستعد الجميع لسماع خبر الوفاة وأخيرا ظهر الطبيب …وللحظة توقفت الحياة أو توقف الزمن …وتسمر كل من فى المستشفى وقد تعلقت عيونهم بالطبيب …فالطبيب القادم ليعلن نبأ الوفاة ارتسمت على جانب فمه ابتسامه …وظهر على وجهه البشر والسرور بينما كان يمسك فى يده بعض الاوراق لوح بها فى وجوههم وهو يقول “هذه الأشعة والتحاليل ليست له … يبدو ان اسمه كتب عليها بطريق الخطأ”
تمت
ا/عبدالسلام

عن nedal abo garbiah

إلى الأعلى